أحمد بن محمد مسكويه الرازي

58

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

وكان هدفهما التوصل إلى تصحيح نواقص الوضع البشري وكان مسكويه يشعر بأنه محظوظ جدا لاقترابه من رجل فذ ونادر كابن العميد . وكان يعتبر ذلك بمثابة الفرصة السانحة لتطبيق آرائه النظرية والتجريدية والفلسفية على أرض الواقع بشكل محسوس . فهذا الرجل الذي سيصبح منظرا أخلاقيا فيما بعد كان يعتقد بأن الكمال البشري ليس وهما أو عبثا أو مجرد كلام فارغ . على العكس كان يعتقد أنه شيء ممكن بواسطة التربية والتهذيب والتعليم . ولهذا السبب فإن ابن العميد أوكل إليه مهمة تعليم ابنه أبي الفتح ، وهذا أكبر دليل على مدى ثقته به وتقديره له . وبالتالي فإن العلاقة بينهما لم تكن علاقة السيد بالخادم ، وإنّما كانت علاقة صداقة وتواصل روحي وفكري عميق . لقد كانت تجمع بينهما هموم مشتركة وميل مشترك نحو التوصل إلى الحقيقة والسعادة ، كما تشهد على ذلك مقدمة رسالة « ترتيب السعادات » . وتولى مسكويه مسؤولية خزانة المكتبة ، وانقاذها من نهب الخراسانيين وسلبهم . وحفظت المكتبة في مكان سريّ . لقد استمر ينعم مسكويه بذلك مدة خمس سنوات وربّما أكثر ، لأن أبا الفتح لم يحسب الثقة التي وضعها والده فيه . إن مسكويه الذي قرأ المؤلفات العديدة لجابر بن حيّان ، واطلع أيضا على أعمال الرازي ، كان قد فهم بالتأكيد بأن الكيمياء تشكل نقطة التقاء وتقاطع لعلوم عديدة . فقد كانت تعلم منهجية تجريبية مؤسّسة على قاعدة نظرية فلسفية . كما وساعدت عليه النجاحات الاجتماعية الراقية في بلاط الأمراء ، وكذلك تراث علمي كان منتعشا جدا آنذاك .